وجه من مصر يقدمه: محمد عبد القدوس ..(أيمن قرة وكفاح رهيب في الصحراء!)
2024-11-27
أتذكر وأنا صغير ذاهب إلى المصيف مع أسرتي أننا كنا نسلك دوماً طريق مصر إسكندرية الصحراوي وهو أسم على مسمى تماماً ..
فلا يوجد في الطريق كله وطوله مئات الكيلومترات ولو شجرة !!
بل هو خالي تماماً من كل مظاهر الحياة ..
والدنيا تغيرت في بلادي ..
ومع بدايات القرن الميلادي الجديد زحفت الزراعة والحياة على العديد من الأراضي الصحراوية ويرجع الفضل في ذلك إلى الحكومة والقطاع الخاص ، وهناك رواد في هذا المجال بدأوا في ظروف صعبة جداً جداً ..
وأقدم لحضرتك واحد من هؤلاء ..
أسمه “أيمن قرة” وكان رئيساً لمجلس إدارة تنمية وتطوير الصادرات البستانية.
وقصة هذا الرجل تدخل في دنيا العجائب وتدعو إلى الدهشة فهو خريج هندسة قسم ميكانيكا جامعة القاهرة ومن أسرة عريقة ونجح بتفوق ، فلا صلة له بالزراعة ..
إذن ما الذي دفعه لغزو الصحراء ؟؟
الإجابة أن والده رحمه الله أشترى مزرعة بمنطقة نائية بالنوبارية وطلب من أبنه أن يتولى الإشراف عليها ..
وكان في وسع أبنه “أيمن قرة” أن يقول لأبيه بسهولة: أنا لا أفهم في الزراعة وأريد التفرغ لبناء مستقبلي ..
آسف لن أستطيع مساعدتك ..
أبحث عن غيري !
لكنه إبن بار بوالده وشهم وبسرعة ألتقط سر المهنة ، وأستخدم في ذلك الوسائل الحديثة ، وهو أول شخص بالقطاع الخاص أدخل الري بالرش المحوري وهي آلة رش دائرية تستطيع أن تغطي مئات الأفدنة ، وكذلك الري بالتنقيط ، ونجح في زراعة أنواع جديدة من الخوخ وكان ذلك في منتصف الثمانينات.
في البداية لم يكن الطريق سهلاً أبدا ، وظهرت صعوبات عديدة في طريق المشروع وكثرت المصاريف وأنواع الأنفاق المختلفة ، والزراعة مثل طفلك الصغير عليه أن تنفق عليه أولا ، وبعد سنوات يبدأ في العطاء ..
ولأنه من الرواد فقد تعلم من التجربة والخطأ فلم يكن هناك أساتذة يقتدي بهم في مجال غزو الصحراء.
قلت له: يا أستاذ “أيمن” .. لكنك في البداية إستوردت أحدث المعدات من أمريكا .. فماذا فعلت معك ؟؟
إجابته كانت مفاجأة: للأسف الأمريكان فهمونا غلط .. لم يكن يهمهم كثيراً نجاح ما نفعله .. وكل غرضهم كان تسويق منتجاتهم الحديثة لمصر.
(العدو أمامكم .. والبحر من وراءكم)
وكانت أيام صعبة وعصيبة مرت برائد غزو الصحراء ..
خسائر رهيبة وإستنزاف للموارد ..
واستمرت تلك المحنة خمس سنوات كاملة وجاء وقت لم يكن قادراً على دفع مرتبات حتى من يعملون معه.
كان في وسعه أن يهرب ويعود إلى القاهرة ليعمل في تخصصه الأصلي مهندس ميكانيكا ..
ويطلب من والده تصفية المشروع وكفاية خسائر كدة ، لكنه وضع نصب عينيه أن يبذل المستحيل لينهض من كبوته على طريقة العدو من أمامكم والبحر من وراءكم ..
فلا يوجد خط رجعة .
وبعد الصبر الطويل وظلام الليل الدامس جاءت بشائر الفرج خاصة بعدما قرر التخصص والتركيز وهكذا أنتج أصناف جديدة من الخوخ لم يسبق زراعتها من قبل في مصر ، ولم تكن هذه الفكرة طارئة بل بعد دراسات متأنية واستعان في ذلك بمتخصصين ..
وأنواع جديدة من المانجو أيضاً.
(شمعة في الظلام)
وفي عز أزمته وظلام ليله تزوج عام ١٩٨٢ لأنه شعر بضرورة وجود شريك حياة إلى جانبه ، يكون بمثابة شمعة في الظلام الذي يحيط به أو قل هي النور التي أضاءت له حياته وكان إختياره موفقاً جداً ..
إسمها “نادية حسين زكي” .
صبرت معه وهو يكافح في قلب الصحراء واثقة في نجاحه وأنجبت له ثلاثة أبناء زي الفل.
وكانت له وش السعد عليه ..
فقد أنطلق معها في طريق النجاح وكبرت مشروعاته وحصل على عدة توكيلات أجنبية في تخصصه ..